السيد ثامر العميدي
88
حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
وقد ساعد اكتشاف ابن مقلة لهذا الخطّ على سرعة الكتابة والاستنساخ ، كما نشط المؤلّفون في هذا العصر لا في الحديث الشريف وعلومه ، أو في علوم اللغة العربية وآدابها من نحو وبلاغة وشعر ونشر فحسب ، بل صنّفوا أيضاً في التفسير كالطبري ( ت / 310 ه ) ، وابن المنذر ( ت / 318 ه ) ، وبقي بن مخلد ( ت / 324 ه ) ، وعبد العزيز بن يحيى الجلودي الإمامي ، وهو من كبار علماء الشيعة المفسّرين في عصره ، مات ( سنة / 330 أو 335 أو 336 ه ) . كما طرقوا علوماً أخرى كثيرة كالتاريخ ، والجغرافية ، والطبّ ، والهندسة ، والرياضيّات ، والفلك ، والفلسفة ، وفي فهرست ابن النديم شواهد كثيرة على التأليف في جميع تلك العلوم . ومن معالم النشاط الثقافي في هذا العصر ببغداد الاندفاع نحو ترجمة الكتب النفيسة من اللغات الأخرى كالسريانية ، واليونانية ، والفارسية إلى اللغة العربية ، وقد ظهر في عصر الكليني مترجمون أكفّاء ترجموا الكثير من الأعلاق الأجنبية النفيسة ، منهم على سبيل المثال إسحاق بن حنين ( ت / 298 ه ) ، وقسطا بن لوقا ( ت / 300 ه ) ، وثابت بن سنان ( ت / 311 ه ) وغيرهم ، وقد فصل ابن النديم ما قاموا به من نشاط واسع في هذا المجال . ونتيجة منطقية لهذه الحركة الواسعة من التأليف والترجمة طفحت حوانيت الورّاقين بالكتب ، وما أكثر الورّاقين ببغداد في ذلك العصر ، حتى كانت لهم سوق ببغداد تعرف بسوق الكتب ، قال أبو محمّد الحسن النوبختي الشيعي الإمامي الجليل ، وهو يصف تلك السوق : « وهي عامرة ، والدكاكين مملوءة بالكتب » « 1 » . هذا وقد بلغ شغف العلماء بالكتب في عصر الكليني درجة تفوق الوصف ، بحيث أنّ قسماً منها كان يكتب بماء الذهب ، ومنها ما يبطن بالديباج والحرير ، ومنها ما يجلّد
--> ( 1 ) . تاريخ بغداد : ج 11 ص 398 الرقم 6278 .